جريدة : ريف ميديا بريس
في مشهد أمني مركّب يكشف عن تحوّل نوعي في أساليب شبكات التهريب الدولي، برزت تفاصيل عملية نوعية نفذتها المصالح الأمنية بمدينة وجدة بتاريخ 23 أبريل 2026، حيث لم تعد محاولات التهريب تقتصر على الوسائل التقليدية، بل انتقلت إلى توظيف تكنولوجيا متقدمة، ما يعكس تصعيدًا خطيرًا في “حرب العقول” بين الأجهزة الأمنية ومافيات الاتجار الدولي في المخدرات.
علمت جريدة ريف ميديا بريس، من مصادر مطلعة، أن هذه العملية الأمنية جاءت نتيجة عمل استخباراتي استباقي عالي الدقة، قادته عناصر الشرطة القضائية بوجدة بتنسيق محكم مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، في إطار coordination sécuritaire عالية المستوى. ووفق نفس المصدر، فإن التدخل الأمني لم يكن عادياً، بل استهدف شبكة إجرامية منظمة اعتمدت على منظومة لوجستية متطورة تجمع بين التهريب التقليدي والتقنيات الحديثة.
الصور الموثقة للعملية تكشف عن حجم “الغنائم” المحجوزة، حيث تم ضبط عشرات الطائرات بدون طيار (درون) من طرازات احترافية، كانت مهيأة للاستعمال في نقل شحنات المخدرات عبر المسالك الحدودية الوعرة، في أسلوب يعكس تحول الشبكات نحو توظيف وسائل تكنولوجية دقيقة. كما تم حجز كميات كبيرة من البطاريات عالية السعة، وأجهزة تحكم عن بعد، ما يؤكد أن الشبكة كانت تعتمد على بنية تقنية متكاملة لتشغيل هذه الطائرات لمسافات طويلة.
وتوصلت الجريدة، وفق مصادرها، إلى أن العملية أسفرت كذلك عن حجز ما يقارب 700 كيلوغرام من مخدر الشيرا، كانت مخبأة بإحكام داخل رزم محكمة التغليف، في مؤشر على احترافية الشبكة في تدبير عملياتها اللوجستية. ولم تقف الحصيلة عند هذا الحد، بل تم ضبط مبالغ مالية مهمة بالعملة الوطنية، إلى جانب مجوهرات وهواتف نقالة، ما يعكس وجود امتدادات مالية موازية تندرج ضمن شبكات blanchiment d’argent المرتبطة بالجريمة المنظمة.
كما أظهرت المحجوزات وجود أدوات تغليف متقدمة تُستخدم لإخفاء الروائح وتفادي وسائل المراقبة، ما يعزز فرضية ارتباط هذه الشبكة بامتدادات دولية تنشط في مجال التهريب المنظم.
وفي خضم هذه العملية النوعية، يطفو على السطح تساؤل جوهري يفرض نفسه بإلحاح: كيف تم إدخال هذا العدد الكبير من الطائرات بدون طيار (الدرون) إلى التراب الوطني؟ هل نحن أمام اختراق لمسالك المراقبة أم أمام شبكات موازية متخصصة في تهريب المعدات التكنولوجية الحساسة؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام تعميق البحث في مسارات الإدخال وكشف خيوط هذه الشبكة، خاصة في ظل ما تفرضه متطلبات enquête approfondie من تدقيق وتحليل شامل.
ووفق نفس المصدر، فإن هذه العملية جاءت بعد رصد وتتبع دقيق لتحركات المشتبه فيهم، حيث تم تحديد نقاط التخزين ومسارات التحرك، قبل تنفيذ تدخل أمني وُصف بـ“العملية الجراحية”، التي أجهضت المخطط الإجرامي في مراحله الحاسمة دون ترك أي فرصة للفرار أو المناورة.
ويعكس هذا النجاح الأمني مرة أخرى نجاعة التنسيق المحكم بين عناصر الشرطة القضائية ومصالح “الديستي”، التي تشتغل وفق مقاربة استباقية ترتكز على تحليل المعطيات الاستخباراتية الدقيقة وتفكيك الشبكات الإجرامية قبل تنفيذ مخططاتها.
وتندرج هذه العملية في سياق تشديد الخناق على الشبكات التي تحاول استغلال الحدود الشرقية للمملكة، حيث بات واضحًا أن الأجهزة الأمنية انتقلت إلى مرحلة الاستباق العملياتي الذي يستهدف العمق البنيوي لهذه الشبكات. فسقوط هذه الكمية من المخدرات، مرفوقة بمنظومة تكنولوجية متطورة، لا يمثل فقط حجزًا نوعيًا، بل ضربة موجعة لبنية إجرامية كانت تراهن على توظيف التكنولوجيا في أنشطتها غير المشروعة.
وبإشراف من النيابة العامة المختصة، تم فتح بحث قضائي معمق للكشف عن كافة المتورطين، وتحديد الامتدادات الوطنية والدولية لهذه الشبكة، في أفق الوصول إلى تفكيك شامل لهذا النشاط الإجرامي.
في المحصلة، تؤكد هذه العملية أن الجريمة المنظمة باتت تتطور بأساليب متجددة، غير أن الأجهزة الأمنية المغربية تواكب هذه التحولات بيقظة عالية وفعالية ميدانية، مما يعزز موقعها في مواجهة شبكات عابرة للحدود لا تتردد في استغلال كل الوسائل لتحقيق أرباح غير مشروعة.



.jpg)