الريف يوم فاوض فيه على الكرامة لا على الاستسلام 30 ابريل 1926

الريف يوم فاوض فيه على الكرامة لا على الاستسلام 30 ابريل 1926


 جريدة : ريف ميديا بريس 

من وجدة إلى الذاكرة الحية مفاوضات 30 أبريل 1926 بين صلابة الريف وضغوط الاستعمار

ليست الكتابة عن التاريخ مجرد استعادة لأحداث مضت، بل هي في أحيان كثيرة استحضار لذاكرة حية تمتد خيوطها إلى الحاضر، وتتقاطع مع علاقات إنسانية تُضفي على السرد بُعدًا خاصًا. ومن هذا المنطلق، أجدني، وأنا أخوض في تفاصيل ذكرى مفاوضات وجدة ليوم 30 أبريل 1926، أستحضر أولًا تلك العلاقة الطيبة والمميزة التي تجمعني بأحد أبناء القائد شدي هنا بألمانيا، علاقة تتجاوز حدود التعارف العابر إلى عمق إنساني مشترك، قوامه الاحترام والتقدير لذاكرة الأجداد وتاريخهم النضالي. وهي ذات الروابط التي تجمعني كذلك بإخوتي الأمازيغ في الديار الأوروبية، بألمانيا وهولندا وبلجيكا، حيث يظل التاريخ حاضرًا في وجدان الجالية، لا كحكاية من الماضي، بل كهوية ممتدة.

في مثل هذا اليوم من سنة 1926، وتحديدًا يوم 30 أبريل، كانت مدينة وجدة على موعد مع اليوم الرابع من مفاوضات شاقة جمعت ممثلي الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بالقوتين الاستعماريتين، الفرنسية والإسبانية. هذه المفاوضات لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل جاءت في سياق تاريخي متوتر، أعقب سنوات من المواجهات العسكرية الضارية التي اندلعت منذ معركة أنوال سنة 1921، تلك المعركة التي شكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ المقاومة الريفية، وأربكت الحسابات الاستعمارية في شمال إفريقيا.

منذ سنة 1921 إلى غاية 1926، خاض الريفيون بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي تجربة نضالية فريدة، جمعت بين العمل العسكري والتنظيم السياسي، حيث أُسست معالم كيان سياسي منظم في الريف، له مؤسساته وإدارته ورؤيته. غير أن هذا الصعود أقلق القوى الاستعمارية، فكان التحالف الفرنسي الإسباني سنة 1925، والذي مثّل بداية مرحلة جديدة من الضغط العسكري الكثيف، استُعملت فيها وسائل غير مسبوقة، مما أدى إلى تضييق الخناق على المقاومة.

وفي هذا السياق، جاءت مفاوضات وجدة أواخر أبريل 1926، كمحطة مفصلية. الصورة التي توثق هذه اللحظة أمام القنصلية الفرنسية بوجدة ليست مجرد لقطة فوتوغرافية، بل شهادة تاريخية تختزل حجم التوتر والرهانات. يظهر في وسطها القائد شدي، ابن أجدير بالحسيمة، الرجل الذي كان من بين الوجوه البارزة إلى جانب محمد بن عبد الكريم الخطابي خلال سنوات النضال. وإلى جانبه أزرقان، وليون غابرييلي، ثم القائد حدو، والمترجم الجزائري بوزارد، في مشهد يعكس تداخل المحلي بالإقليمي والدولي.

لقد كانت تلك الأيام، خصوصًا ما بين 27 و30 أبريل 1926، ثقيلة بكل المقاييس. مفاوضات عسيرة، شروط قاسية فرضتها القوى الاستعمارية، وضغوط متزايدة على الوفد الريفي. غير أن ما يُسجل للتاريخ هو أن ممثلي الريف لم يدخلوا تلك المفاوضات بروح الاستسلام، بل بعقلية تفاوضية تسعى إلى تحقيق سلام عادل، يحفظ الكرامة ويصون ما أمكن من المكتسبات.

ويُورد كتاب «منفي موغادور» وصفًا دقيقًا لهذه المرحلة، حيث يُبرز حجم الإرهاق الذي أصاب المفاوضين، ليس فقط من طول الجلسات، بل من ثقل القرارات المصيرية التي كانت تُطرح على الطاولة. كان التفاوض، في حقيقته، امتدادًا للمعركة، لكن بأدوات مختلفة، حيث تحوّلت الكلمات إلى ساحة مواجهة لا تقل ضراوة عن ميادين القتال.

إن أهمية مفاوضات وجدة لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في دلالاتها العميقة في تاريخ المغرب المعاصر، ولا سيما في تاريخ الريف. فهي تعكس لحظة انتقال من منطق الحرب إلى منطق التفاوض، ومن المواجهة العسكرية إلى محاولة فرض الاعتراف السياسي، حتى وإن كانت موازين القوى مختلة.

القائد شدي، الذي نتحدث عنه اليوم، لم يكن مجرد اسم عابر في سجل الأحداث، بل كان جزءًا من تلك النخبة الريفية التي حملت عبء المرحلة، ووقفت إلى جانب الخطابي في واحدة من أعقد فترات التاريخ. انتماؤه إلى أجدير بالحسيمة يضعه في قلب الجغرافيا التي انطلقت منها شرارة المقاومة، ويمنحه مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للريف.

اليوم، وبعد مرور قرن تقريبًا على تلك الأحداث، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة قراءة هذه المحطات بعين واعية، لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تغوص في عمقها لفهم سياقاتها ودلالاتها. فمفاوضات 30 أبريل 1926 ليست مجرد تاريخ يُستحضر، بل درس تاريخي في كيفية إدارة الصراع، وفي معنى التمسك بالكرامة حتى في أحلك الظروف.

إنها ذكرى تُعيد طرح سؤال جوهري؟ كيف استطاع رجال الريف، في زمن كانت فيه الإمكانيات محدودة، أن يفرضوا أنفسهم طرفًا في معادلة دولية معقدة؟ والجواب يكمن في تلك الروح الجماعية التي جعلت من الكرامة خطًا أحمر، لا يُساوم عليه، سواء في ساحة المعركة أو على طاولة المفاوضات.

رحم الله القائد شدي، وكل رجالات تلك المرحلة، الذين لم يكتبوا التاريخ بالحبر، بل بالمواقف.

إرسال تعليق

شكرا على تعليقك

أحدث أقدم

نموذج الاتصال