الأندلس : من المسؤول عن سقوط هيبة أمة كانت تُعلّم العالم؟

الأندلس : من المسؤول عن سقوط هيبة أمة كانت تُعلّم العالم؟

ريف ميديا بريس : احمد علي المرس 

في زمنٍ لم يكن فيه ميزان القوة يُقاس فقط بالجيوش والعتاد، بل بالمعرفة وهيبة الفكر، كانت الأندلس عنوانًا لنهضةٍ إنسانيةٍ فريدة، ومرفأً تتجه إليه سفن العقول قبل الأجساد. هناك، حيث قرطبة وغرناطة وإشبيلية، لم يكن الطلاب الأوروبيون يأتون سائحين، بل طلاب علمٍ، يقطعون المسافات من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ليجلسوا بين أيدي علماء المسلمين، يتلقّون منهم أسرار الطب والفلك والفلسفة والرياضيات. كان الشاب الأوروبي إذا عاد إلى بلده، لا يتباهى بمالٍ أو نسب، بل يقول بفخرٍ ممزوجٍ بالدهشة: “درست في بلاد المسلمين”، حتى بلغ التأثر حدّ إدخال ألفاظٍ عربية في حديثه، كوسامٍ ثقافي يُعلن انتماءه إلى مدرسةٍ كانت يومًا مركز العالم.

غير أن هذا التحول لم يكن يمرّ دون ارتداداتٍ داخل المجتمعات الأوروبية آنذاك. فقد نظرت الكنيسة بعين القلق إلى هذه الظاهرة، واعتبرتها تهديدًا لهوية أبنائها، حتى لوّحت بعقوباتٍ روحيةٍ تصل إلى حد “الحرمان من الجنة” لمن يتأثرون بالعرب والمسلمين في لغتهم ولباسهم وثقافتهم. ولم تكن تلك التحذيرات سوى اعترافٍ ضمنيّ بقوة التأثير الحضاري الإسلامي، الذي تجاوز حدود الجغرافيا ليُعيد تشكيل الوعي الأوروبي. وتُسجل المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه في كتابها شمس العرب تشرق على الغرب أن شباب أوروبا آنذاك لم يكتفوا بتعلّم العربية، بل تشبّهوا بالعرب في مظهرهم وسلوكهم، في مشهدٍ يعكس انقلابًا في موازين التأثير الحضاري.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز صوت القسيس “ألفارو القرطبي” في القرن التاسع الميلادي، وهو يصرخ بحرقةٍ من على منابر مدينته، مستنكرًا انصراف أبناء دينه إلى دراسة الأدب العربي والفكر الإسلامي، لا لنقده، بل للإعجاب به والتعبير من خلاله. كانت شكواه أكثر من مجرد موقف ديني، بل شهادة تاريخية على واقعٍ ثقافيٍّ مقلوب، حيث أصبح “الآخر” مصدر الإلهام، ومرآة التفوق. حتى بلغ الأمر أن كثيرًا من شباب أوروبا صاروا يعجزون عن كتابة رسالةٍ بلغةٍ لاتينية سليمة، في حين يتقنون العربية شعرًا ونثرًا بإبداعٍ لافت.

لكن هذه الصورة المضيئة من التاريخ ليست سوى مرآةٍ تعكس واقعًا معاصرًا مغايرًا إلى حدّ الألم. فإذا كان الأمس قد شهد تدفق العقول نحو العالم الإسلامي طلبًا للعلم، فإن الحاضر يشهد نزيفًا معاكسًا، حيث يهاجر أبناء الأمة بحثًا عن فرصٍ في بيئاتٍ أكثر استقرارًا واحتضانًا للمعرفة. وهنا، تتجلى حكمة ابن خلدون حين قال: “المغلوب مولع دائمًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله”. إنها ليست مجرد عبارة، بل قانونٌ اجتماعيٌّ يفسّر تحولات الأمم، ويكشف أن التفوق الحضاري لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالعلم والعدل وحسن تدبير الشأن العام.

إن هذه القصة، في عمقها، ليست حنينًا إلى ماضٍ مضى، بقدر ما هي رسالةٌ موجّهة إلى من يجلسون اليوم على كراسي القرار. فالتاريخ لا يرحم من يسيء قراءة دروسه، ولا يغفر لمن يفرّط في مقومات النهوض. إن المسؤولية اليوم لا تتعلق فقط بإدارة الحاضر، بل بصناعة المستقبل، وإعادة بناء منظومةٍ تُعيد للأمة مكانتها بين الأمم. فإما أن نكون كما كنا يومًا مصدر إشعاعٍ حضاري، أو نظل أسرى واقعٍ نكتفي فيه باستيراد النماذج بدل صناعتها. 

هي ليست قصة ماضٍ… بل إنذار حاضر.

إرسال تعليق

شكرا على تعليقك

أحدث أقدم

نموذج الاتصال