قانون الصحافة… عندما تتحول حرية التعبير إلى ملف تشريعي ساخن

قانون الصحافة… عندما تتحول حرية التعبير إلى ملف تشريعي ساخن

 


جريدة : ريف ميديا بريس 

قانون الصحافة في زمن الذكاء الاصطناعي، هل يواكب أم يتأخر؟

في لحظة تشريعية مشحونة بالدلالات السياسية والمهنية، صادق مجلس النواب، مساء الاثنين 04 ماي 2026، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وذلك عقب ترتيب الآثار القانونية لقرار المحكمة الدستورية الصادر في يناير الماضي. وبين لغة الأرقام—70 صوتاً مؤيداً مقابل 25 معارضاً—تتوارى أسئلة أعمق، تتجاوز حدود النص القانوني إلى جوهر العلاقة الملتبسة بين السلطة والإعلام، بين التنظيم الذاتي والوصاية المقنّعة، وبين حرية التعبير ومتطلبات الضبط والتقنين. هذا المشروع، الذي قدّمه وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد باعتباره “محطة مفصلية” في مسار تحديث المشهد الإعلامي الوطني، يطرح نفسه كإجابة تشريعية على اختلالات بنيوية طالما نخرَت جسد الحقل الصحفي بالمغرب،

 غير أن هذا “الجواب” لا يبدو، في نظر كثير من الفاعلين، خالياً من علامات الاستفهام، بل ربما يعيد إنتاج نفس الأسئلة القديمة بصياغة جديدة. تتأسس فلسفة المشروع—وفق خطاب الأغلبية—على تعزيز الحكامة الجيدة، وترسيخ الشفافية، وتقوية المسؤولية المهنية، في سياق وطني ودولي يعرف تحولات متسارعة، أبرزها الثورة الرقمية وصعود الإعلام البديل، غير أن هذه الشعارات، رغم وجاهتها النظرية، تصطدم بواقع مهني معقّد، حيث تتداخل الإكراهات.

 الاقتصادية مع الضغوط السياسية، وتغيب أحياناً الحدود الفاصلة بين التنظيم والتقييد، فالمجلس الوطني للصحافة، بوصفه هيئة للتنظيم الذاتي، يفترض أن يكون تجسيداً لاستقلالية المهنة عن السلطة التنفيذية، لكن الجدل الدائر حول تركيبة المجلس، وآليات تعيين أعضائه، وحدود تدخل الإدارة، يعيد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام تنظيم ذاتي حقيقي، أم أمام إعادة تشكيل مؤسسة مهنية بمنطق الضبط المؤسسي؟ لم تمر المصادقة على المشروع دون إثارة زوبعة من الانتقادات داخل قبة البرلمان، فقد تساءل الفريق الاشتراكي عن جدوى رفض أزيد من 137 تعديلاً تقدمت بها المعارضة، معتبراً أن ذلك يفرغ العمل التشريعي.

من مضمونه التشاركي، فيما عبّر الفريق الحركي عن “تخوفات مشروعة” ترتبط ببعض المقتضيات التي قد تمس باستقلالية المجلس، أما فريق التقدم والاشتراكية، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الحكومة لم تستوعب الرسائل العميقة لقرار المحكمة الدستورية، الذي لم يكن—حسب تعبيره—مجرد تصحيح تقني، بل تنبيه إلى اختلالات جوهرية، وهذه المواقف، وإن بدت متباينة في حدتها، فإنها تلتقي عند نقطة واحدة: القلق من أن يتحول هذا القانون إلى أداة لإعادة ضبط الحقل الإعلامي وفق مقاربة فوقية، بدل أن يكون مدخلاً لإصلاح حقيقي ينبع من داخل المهنة. لا يمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه الصحافة المغربية،

 والذي يتسم بتحديات مركبة، فمن جهة، تعاني المقاولات الإعلامية من هشاشة اقتصادية خانقة، نتيجة تراجع مداخيل الإشهار، واشتداد المنافسة مع المنصات الرقمية العالمية، ومن جهة أخرى، يواجه الصحفيون ضغوطاً متعددة، تتراوح بين الإكراهات المهنية وضعف الحماية الاجتماعية، وصولاً إلى التهديدات المرتبطة بحرية التعبير، وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي تدخل تشريعي مطالباً بأن يوازن بدقة بين حماية المهنة وضمان استقلاليتها، وبين تنظيم القطاع وتفادي خنقه بقوانين قد تتحول إلى قيود. ما يزيد من تعقيد المشهد هو التحول العميق الذي يعرفه الإعلام العالمي بفعل الرقمنة وصعود الذكاء الاصطناعي، فاليوم، لم تعد الصحافة حكراً على المؤسسات التقليدية، بل أصبحت مفتوحة على فاعلين جدد، من صناع المحتوى إلى المنصات الرقمية، في فضاء يتسم بالسيولة والانفلات أحياناً، وفي هذا السياق، يطرح السؤال بإلحاح،  هل يواكب مشروع القانون 09.26 هذه التحولات؟ هل يمتلك الجرأة الكافية لإعادة تعريف.

 مفهوم الصحفي، وحدود المسؤولية، وأخلاقيات النشر في عصر الخوارزميات؟ أم أنه يظل أسير تصور تقليدي لمهنة تتغير ملامحها بسرعة تفوق إيقاع التشريع؟ يبقى الرهان الأكبر لأي إصلاح إعلامي هو تعزيز حرية التعبير، لا فقط في النصوص، بل في الممارسة اليومية، فالقوانين، مهما بلغت دقتها، تظل حبراً على ورق إذا لم تُترجم إلى مناخ يضمن للصحفي حقه في الوصول إلى المعلومة، والتعبير بحرية، دون خوف من التضييق أو المتابعة، ومن هنا، فإن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة يُختبر ليس فقط في مواده، بل في روحه: هل يعزز استقلالية الصحفي؟ هل يحميه من التعسف؟ هل يفتح المجال أمام تعددية حقيقية في الآراء؟ أم أنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد يعاني أصلاً من اختلالات عميقة؟ وبين خطاب رسمي يتحدث عن “محطة.

 مفصلية”، ومعارضة تلوّح بـ”اختلالات جوهرية”، يقف مشروع القانون 09.26 عند مفترق طرق حاسم، فإما أن يشكل بالفعل مدخلاً لإصلاح شامل يعيد الاعتبار لمهنة الصحافة، ويواكب تحولات العصر الرقمي، أو أن يتحول إلى مجرد حلقة جديدة في مسلسل إعادة تدوير الأزمات، وفي انتظار ما ستكشف عنه الممارسة، يبقى السؤال مفتوحاً؟ هل يملك هذا القانون القدرة على الارتقاء بالمشهد الإعلامي المغربي إلى مصاف الديمقراطيات الحديثة، أم أنه سيظل حبيس توازنات سياسية ومؤسساتية تعيق انطلاقته؟ الجواب، كما جرت العادة، لن يُكتب في نص القانون… بل في هوامش الحرية.

إرسال تعليق

شكرا على تعليقك

أحدث أقدم

نموذج الاتصال