جريدة : ريف ميديا بريس
في تطور قضائي مدوٍّ يعيد ترتيب أوراق الثقة داخل واحدة من أكثر المؤسسات حساسية، أصدرت هيئة الحكم بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم الخميس 30 أبريل 2026، حكماً يقضي بست سنوات سجناً نافذاً في حق مسؤول مركزي بارز يشغل منصب مدير مديرية المحافظة العقارية داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وذلك على خلفية تورطه في قضية ثقيلة تتعلق بتزوير محرر رسمي واستعماله.
هذا الحكم لا يُقرأ كواقعة معزولة، بل كعنوان لمرحلة دقيقة تتقاطع فيها العدالة مع سؤال الحكامة، وتنكشف فيها أعطاب التدبير الإداري حين يغيب منطق الاحتراز وتُؤجَّل آليات المحاسبة. فالمؤسسة التي يفترض أن تكون صمام أمان للملكية العقارية وضامناً للأمن القانوني للمعاملات، تجد نفسها اليوم في قلب عاصفة مساءلة غير مسبوقة.
وتعود فصول هذا الملف إلى متابعة المسؤول المذكور، إلى جانب موثق بمدينة الدار البيضاء، في قضية ترتبط بشبهات المشاركة في تزوير وثائق رسمية همّت تفويت عقار مملوك لأشخاص متوفين لفائدة رجل أعمال، في سيناريو يضرب في العمق مصداقية الوثيقة الرسمية، ويقوّض الثقة التي يقوم عليها النظام العقاري برمته.
غير أن ما يضفي على هذا الملف بعداً أكثر تعقيداً، ليس فقط خطورة الأفعال المنسوبة، بل أيضاً استمرار المعني بالأمر في مزاولة مهامه داخل الوكالة بكامل صلاحياته، رغم متابعته القضائية في قضية تمس صلب اختصاصاته. وهو ما فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حادة داخل الأوساط المهنية والنقابية حول جدوى آليات الرقابة الداخلية، ومدى تفعيل التدابير الاحترازية التي يتيحها القانون لصون المرفق العام.
وفي هذا السياق، عبّرت مصادر متطابقة عن استغرابها من غياب قرارات إدارية حازمة في الوقت المناسب، معتبرة أن هذا التراخي لم يكن مجرد خطأ تقديري، بل ساهم في تعميق أزمة الثقة، وأعطى الانطباع بوجود مناطق رمادية في تدبير ملفات حساسة، قد تُفهم – أو تُؤوَّل – كنوع من الحماية غير المعلنة.
ومع صدور الحكم، عادت الأنظار لتتجه نحو دوائر القرار داخل المؤسسة، حيث يبرز اسم الكاتب العام في قلب نقاش متصاعد، يتعلق بطبيعة الإشراف الإداري خلال هذه المرحلة، ومدى احترام قواعد الحكامة الجيدة، وعلى رأسها مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي لم يعد مجرد شعار مؤسساتي، بل اختباراً عملياً لمدى صلابة البنية الإدارية.
إن تداعيات هذا الحكم تتجاوز الشخص المدان لتلامس صورة مؤسسة استراتيجية ترتبط بشكل مباشر بالاستثمار وبحقوق المواطنين، وهو ما يجعل من أي اختلال داخلها مسألة ذات أبعاد وطنية، لا تقبل التردد أو الغموض في المعالجة.
ويرى متتبعون أن المرحلة المقبلة تفرض على الإدارة اعتماد مقاربة قائمة على الشفافية والوضوح، من خلال تقديم تفسيرات دقيقة للرأي العام، واتخاذ إجراءات تأديبية وإصلاحية صارمة، بما يعيد التوازن لصورة المؤسسة، ويبعث برسائل طمأنة إلى الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين على حد سواء.
في المحصلة، يشكل هذا الحكم لحظة مفصلية تختبر فيها الدولة قدرتها على تفعيل مبادئ الحكامة الجيدة، وترسيخ عدالة لا تتسامح مع العبث بالوثيقة الرسمية. فحماية هذه الأخيرة ليست مجرد إجراء قانوني، بل حجر الزاوية في بناء دولة الحق والقانون، حيث لا مكان للإفلات من المساءلة، ولا حصانة خارج سلطة العدالة.
