ريف ميديا بريس : مريم معراج
من يحمي جيوب المغاربة؟
في الوقت الذي يعيش فيه المواطن المغربي تحت ضغط موجة غلاء غير مسبوقة، عادت اللحوم الحمراء لتتصدر واجهة الجدل الوطني، ليس فقط بسبب الأسعار الملتهبة التي تجاوزت القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المغاربة، بل أيضًا بسبب المخاوف الصحية المرتبطة باستيراد الأبقار واللحوم من دول أوروبية تشهد انتشار أمراض وبائية وسط القطعان، في ظل تساؤلات متزايدة حول فعالية أجهزة المراقبة ودور المؤسسات الرسمية في حماية المستهلك المغربي.
ففي الأسواق المغربية، أصبح ثمن الكيلوغرام الواحد من اللحوم الحمراء يلامس مستويات قياسية، وسط تحذيرات مهنية من إمكانية بلوغه 150 درهمًا خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن واضطراب الأسواق الدولية.
هذا الوضع خلق حالة من الغضب الشعبي، خصوصًا وأن الحكومة سبق أن أعلنت عن إجراءات استثنائية لدعم الاستيراد وإعفاءات جمركية لتوفير اللحوم وخفض الأسعار، غير أن المواطن البسيط لم يلمس أي انخفاض حقيقي داخل محلات الجزارة والأسواق الأسبوعية.
التحقيق في خيوط هذه الأزمة يقود إلى سؤال محوري: أين يختفي أثر الدعم والإعفاءات؟ فالمستهلك المغربي يتساءل اليوم إن كانت هناك فعلاً منافسة حقيقية داخل سوق اللحوم، أم أن الأمر يتعلق بشبكات احتكار ومضاربات تتحكم في الأسعار بعيدًا عن أي مراقبة صارمة. وهنا يبرز الغياب المثير للجدل لمجلس المنافسة، المؤسسة الدستورية التي يفترض أن تتدخل لرصد الاختلالات الاقتصادية ومحاربة الاحتكار والتواطؤات التجارية. فإلى حدود الساعة، لا يوجد أي تقرير واضح للرأي العام يشرح أسباب استمرار ارتفاع الأسعار رغم فتح باب الاستيراد وتخفيف الرسوم الجمركية.
وفي خضم هذا الجدل، تتجه الأنظار أيضًا نحو اللجان المكلفة بمراقبة الأسعار وجودة المواد الغذائية، حيث يتساءل مهنيون ومستهلكون عن مدى نجاعة المراقبة الميدانية داخل المجازر ونقط البيع، خصوصًا مع تزايد الحديث عن لحوم مستوردة مجهولة المصدر أو لحوم يتم ترويجها دون توضيح ظروف الذبح والتخزين والنقل. كما أن المخاوف تضاعفت بعد تداول معطيات مرتبطة باستمرار انتشار بعض الأمراض الوبائية في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما دفع المغرب في فترات سابقة إلى تعليق الاستيراد من بعض الأسواق الأوروبية حماية للقطيع الوطني والسلامة الصحية للمستهلكين.
وتكشف معطيات مهنية أن السلطات المغربية ما تزال تتعامل بحذر مع استئناف الاستيراد من أوروبا، بسبب التخوف من انتقال الأمراض الحيوانية، حيث أكدت تقارير إعلامية وجود مشاورات لإعادة فتح الاستيراد، لكن بشروط صحية صارمة وبعد تقييم الوضع الوبائي بدقة.
غير أن هذا المعطى يطرح بدوره سؤالًا حساسًا؟ هل تملك المصالح البيطرية وإدارات المراقبة الإمكانيات الكافية لمتابعة آلاف الأطنان من اللحوم المستوردة وضمان سلامتها بشكل فعلي، أم أن ضغط السوق والحاجة إلى توفير اللحوم يدفعان نحو التساهل في بعض المعايير؟
وفي قلب هذه العاصفة، يبرز دور الجمعية الوطنية لأرباب اللحوم الحمراء والفيدراليات المهنية المرتبطة بالقطاع، باعتبارها فاعلًا أساسيًا في توجيه السوق والتأثير على القرارات الحكومية. فبعض المهنيين يبررون الغلاء بارتفاع تكاليف الأعلاف، الجفاف، تقلص القطيع الوطني، وارتفاع أسعار الشحن الدولية، بينما يرى مواطنون أن بعض الوسطاء والمضاربين يستغلون الأزمة لتحقيق أرباح خيالية على حساب القدرة الشرائية للمغاربة.
أما الحكومة المغربية، فتجد نفسها اليوم أمام امتحان اقتصادي واجتماعي صعب، بعدما تحولت أسعار اللحوم إلى قضية رأي عام. فالمطلوب لم يعد مجرد بلاغات رسمية أو قرارات ظرفية، بل تفعيل حقيقي لآليات المراقبة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الكشف للرأي العام عن المستفيدين الحقيقيين من دعم الاستيراد والإعفاءات الجمركية.
ويرى متابعون أن استمرار هذا الوضع دون تدخل صارم قد يعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات، خاصة في ظل شعور فئات واسعة بأن الأسواق تُدار بمنطق المضاربة لا بمنطق حماية الأمن الغذائي الوطني. كما أن ملف اللحوم الحمراء أصبح اليوم يتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار، ليطرح إشكالات أكبر تتعلق بالسيادة الغذائية، سلامة المستهلك، وفعالية المؤسسات الرقابية في مواجهة لوبيات السوق.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح داخل الشارع المغربي:
هل أصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الغذاء بالمغرب؟
ومن يحاسب المتسببين في وصول “لحم الفقراء” إلى أسعار تحوله تدريجيًا إلى مادة استهلاكية خاصة بالأغنياء فقط؟


