ريف ميديا بريس: احمد علي المرس
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، وحتى بعض الشكايات الإدارية والقضائية، فضاءات مفتوحة لتبادل الاتهامات وترويج الأخبار غير الدقيقة، برزت ظاهرة “الوشاية الكاذبة” كإحدى أخطر الممارسات التي تهدد الأفراد والمؤسسات وتمس بصورة العدالة وقرينة البراءة. فالتبليغ عن الجرائم يبقى حقًا مشروعًا وواجبًا مدنيًا لحماية المجتمع، غير أن هذا الحق يتحول إلى فعل إجرامي عندما يستعمل بسوء نية بهدف التشهير أو الانتقام أو تصفية الحسابات الشخصية والمهنية.
القانون المغربي تعامل بصرامة مع هذا السلوك، واعتبر أن الوشاية الكاذبة لا تمس فقط بالشخص المبلغ ضده، بل تضرب في العمق مصداقية المؤسسات القضائية والأمنية، لأنها تدفع السلطات إلى فتح أبحاث وتحريات بناءً على معطيات مختلقة لا أساس لها من الصحة. ولهذا، جاء الفصل 445 من القانون الجنائي المغربي ليضع تعريفًا واضحًا لهذا الفعل، حيث اعتبر أن كل من أبلغ، بأي وسيلة كانت، عن وقائع يعلم زيفها إلى النيابة العامة أو الضابطة القضائية أو الإدارات أو الهيئات المختصة، أو حتى إلى رؤساء وأرباب عمل الشخص المبلغ عنه، يكون قد ارتكب جريمة يعاقب عليها القانون.
وتنص المادة نفسها على عقوبات زجرية قد تصل إلى الحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات، إضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين 120 و1000 درهم، وهي عقوبات تعكس خطورة هذا الفعل على النظام العام وعلى سمعة الأفراد. كما أن المتضرر من الوشاية الكاذبة يمكنه المطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار النفسية والمعنوية والمهنية التي قد تلحقه، خاصة إذا ترتب عن تلك الادعاءات فقدان العمل أو المساس بالسمعة أو التعرض لتحقيقات وإجراءات قضائية غير مبررة.
ويرى متتبعون للشأن القانوني أن الوشاية الكاذبة تختلف عن مجرد الخطأ في التبليغ أو سوء التقدير، إذ يشترط القانون توفر “سوء النية” والعلم المسبق بزيف الوقائع المبلغ عنها. بمعنى أن الشخص الذي يتقدم ببلاغ اعتمادًا على معطيات يعتقد بحسن نية صحتها، ثم يتبين لاحقًا عدم دقتها، لا يدخل بالضرورة ضمن إطار الوشاية الكاذبة. أما عندما يكون الهدف هو الإضرار العمدي بالغير عبر اختلاق الوقائع أو تزوير المعطيات أو فبركة الاتهامات، فإن الأمر يتحول إلى جريمة قائمة الأركان.
وفي السياق ذاته، يشدد عدد من رجال القانون على أن انتشار الوشايات الكاذبة يثقل كاهل المحاكم ومصالح الشرطة القضائية، ويستهلك وقتًا وجهدًا كان من المفترض أن يُوجَّه لمكافحة الجرائم الحقيقية. كما أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى خلق أجواء من التوتر وفقدان الثقة داخل المجتمع، خصوصًا عندما تستهدف شخصيات عمومية أو موظفين أو مقاولين أو حتى أفرادًا عاديين في محيطهم الاجتماعي والأسري.
ولم يعد خطر الوشاية الكاذبة مقتصرًا على الشكايات التقليدية فقط، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تحولت بعض الصفحات والحسابات الإلكترونية إلى منصات لنشر اتهامات مجانية وإشاعات تمس بالأشخاص دون أدلة أو حجج قانونية. وهنا يبرز تداخل الوشاية الكاذبة مع جرائم أخرى يعاقب عليها القانون المغربي، من بينها القذف والتشهير ونشر الأخبار الزائفة، خاصة عندما يتم تداول تلك الادعاءات علنًا عبر الإنترنت.
إن حماية الحق في التبليغ عن الجرائم لا يمكن أن تكون مبررًا لاستعماله كوسيلة للانتقام أو الابتزاز أو تصفية الحسابات، ولذلك يظل القانون حاسمًا في التفريق بين التبليغ المشروع والوشاية الكاذبة. فدولة الحق والقانون تقوم على احترام المساطر القضائية وقرينة البراءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وليس على الاتهامات المجانية أو الادعاءات التي تُطلق دون سند قانوني أو إثباتات ملموسة.
