جريدة : ريف ميديا بريس
في الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل الجمعيات رافعة للتنمية المحلية وآلية للتضامن الاجتماعي وخدمة الصالح العام، تكشف تقارير ميدانية متواترة عن واقع مقلق يتمثل في هيمنة عائلات بأكملها على مكاتب جمعيات تستفيد من المال العام، خصوصا في قطاعات حساسة كالنقل المدرسي والخدمات الاجتماعية. واقع يطرح علامات استفهام ثقيلة حول مصير الدعم العمومي، وحول حدود الرقابة القانونية على ما بات يوصف داخل الأوساط المحلية بـ”الجمعيات العائلية المقنّعة”.
التحركات الأخيرة لعمال عدد من الأقاليم بجهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وفاس-مكناس ومراكش-آسفي، جاءت بعد تقارير رفعتها أقسام “الشؤون الداخلية” إلى وزارة الداخلية، رصدت نمطا متكررا يكاد يتشابه في أغلب هذه الجمعيات؛ رئيسة الجمعية هي الزوجة، أمين المال هو الزوج، الكاتب العام الابن أو الابنة، فيما توزع باقي المهام بين الخال والعم والأصهار والأقارب. وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يراقب من؟ ومن يحاسب من؟ وكيف يمكن الحديث عن الشفافية والحكامة داخل مكاتب تنفيذية تحولت إلى امتداد بيولوجي للعائلة الواحدة؟
المثير في الأمر أن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل تعود جذورها إلى عقود طويلة منذ فجر الاستقلال، حيث ظلت بعض الجمعيات تشتغل بمنطق “الضيعة الخاصة” أو “الريع المقنع”، مستفيدة من ثغرات قانونية ومن ضعف آليات المراقبة والتتبع. فالقانون المنظم للجمعيات، رغم ما يتضمنه من مقتضيات عامة مرتبطة بالتسيير الديمقراطي، لا يتضمن بشكل صريح وواضح مواد تمنع تركز المسؤوليات داخل الأسرة الواحدة، ولا يضع سقفا قانونيا لدرجة القرابة داخل المكاتب التنفيذية، الأمر الذي فتح الباب أمام استغلال العمل الجمعوي كواجهة للاستفادة من الدعم العمومي والصفقات والشراكات.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتعلق الأمر بجمعيات تستفيد من حافلات النقل المدرسي وتجهيزات ممولة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو من ميزانيات الجماعات الترابية والمجالس الإقليمية. فهنا لا يتعلق الأمر بمساهمات خاصة أو تبرعات ذاتية، بل بأموال عمومية مصدرها دافع الضرائب، ما يفرض أعلى درجات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
التقارير التي رفعتها السلطات الترابية كشفت حالات توصف بـ”الصادمة”، من بينها مستشارون جماعيون يصوتون داخل دورات المجالس على منح واتفاقيات دعم لفائدة جمعيات يشغلون فيها مناصب مباشرة أو تسيرها زوجاتهم وأقاربهم. بل إن بعض الحالات تتجاوز تضارب المصالح إلى شبهات استغلال النفوذ والالتفاف على القوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية.
وفي هذا السياق، تبدو المادة 65 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية واضحة نسبيا، إذ تمنع على أعضاء المجالس الجماعية ربط مصالح خاصة مع الجماعة أو إبرام عقود أو صفقات معها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بما يشمل الأزواج والأصول والفروع. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في وجود النص القانوني، بل في محدودية تفعيله ميدانيا، وفي غياب المراقبة الصارمة والدورية لمسارات صرف الدعم العمومي وآليات تدبيره داخل الجمعيات.
لقد تحولت بعض الجمعيات، للأسف، من فضاءات للعمل المدني والتطوعي إلى أدوات انتخابية موسمية، تُستعمل لاستمالة الأصوات وصناعة الولاءات السياسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية. لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تأتي التحريات الحالية تزامنا مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، في محاولة لقطع الطريق أمام توظيف المال الجمعوي في الحملات الانتخابية المقنعة.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح اليوم: أين هي المجالس الجهوية للحسابات؟ وأين هي لجان الافتحاص المالي؟ وكيف تمر ملايين الدراهم من الدعم العمومي دون مراقبة دقيقة لتركيبة هذه الجمعيات وطبيعة المستفيدين الحقيقيين منها؟ وهل يعقل أن تستمر جمعيات تتلقى دعما من المال العام وهي تدار بعقلية “العائلة أولاً” دون أي مساءلة حقيقية؟
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بفتح تحقيقات ظرفية أو بإعداد تقارير إدارية عابرة، بل بإعادة النظر بشكل جذري في المنظومة القانونية المنظمة للعمل الجمعوي بالمغرب، عبر سن مقتضيات واضحة تمنع احتكار العائلات لمكاتب الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي، وفرض التصريح الإجباري بحالات القرابة وتضارب المصالح، مع إخضاع الجمعيات لافتحاصات مالية دورية ونشر تقاريرها للرأي العام تكريسا لمبدأ الشفافية.
كما أن الدور اليوم أصبح ملقى أيضا على عاتق السلطات الترابية بالجهة الشرقية، من والي الجهة إلى عمال الأقاليم والقواد والباشوات، من أجل تفعيل آليات المراقبة والتدقيق في كيفية تدبير عدد من الجمعيات وهيئات المجتمع المدني التي تستفيد من المال العام، خاصة تلك التي تحوم حولها شبهات التسيير العائلي أو تضارب المصالح أو الاستغلال السياسي للدعم العمومي.
فالعمل الجمعوي النبيل لا يمكن أن يتحول إلى “مقاولة عائلية” تمول من جيوب المواطنين، ولا يمكن للمال العام أن يبقى رهينة شبكات القرابة والمصالح الضيقة تحت غطاء العمل المدني والخيري. إنها معركة حقيقية بين ثقافة الحكامة والشفافية، وبين اقتصاد الريع الجمعوي الذي ظل لسنوات طويلة يشتغل في الظل بعيدا عن أعين المحاسبة.


