جريدة : ريف ميديا بريس
مع كل اقتراب لموسم الاصطياف، تعود إلى الواجهة لغة البلاغات الرسمية المنمّقة، التي تُبشّر بـ“استعدادات استباقية” و“تعبئة شاملة” لضمان صيف آمن ومريح بجماعة بني شيكر. غير أن هذه اللغة، مهما بلغت من دقة الصياغة وقوة الإيحاء، سرعان ما تتبدد عند أول احتكاك بالواقع الميداني، حيث تنكشف الهوة بين الخطاب والمؤشرات الفعلية للخدمات والبنيات الأساسية.
فشواطئ بني شيكر، بما تختزنه من جمال طبيعي أخّاذ وسحر رباني، كان يفترض أن تتحول إلى قطب سياحي محلي يليق بمؤهلاتها. لكن ما يحدث هو العكس تمامًا؛ إذ تظل هذه الفضاءات رهينة اختلالات مزمنة، تتجلى في هشاشة أو انعدام البنيات الطرقية، غياب التجهيزات الأساسية، ضعف الإنارة العمومية، وانعدام شروط السلامة البحرية، إلى جانب غياب شبه كلي لعناصر الوقاية المدنية وسيارات الإسعاف، فضلًا عن تدني مستوى خدمات النظافة وحراسة الشواطئ.
الأخطر من ذلك، أن هذه الاختلالات لا تبقى حبيسة التقارير أو شكاوى الساكنة، بل تتحول في كل صيف إلى مآسٍ حقيقية، حين تتكرر حوادث الغرق المميتة، في مشهد مؤلم يكشف حجم الفراغ في منظومة الإنقاذ والتدخل السريع. وهي وقائع تُثير تساؤلات مشروعة حول مدى تفعيل المقتضيات القانونية المرتبطة بالسلامة الشاطئية، وحول دور أجهزة المراقبة والتتبع التابعة للمصالح المركزية لوزارة الداخلية، بما فيها المفتشية العامة للإدارة الترابية، في مساءلة المقصرين وترتيب الجزاءات اللازمة.
غير أن تحميل المسؤولية الكاملة للجهات المنتخبة أو السلطات المحلية، رغم وجاهته في جانب منه، لا ينبغي أن يحجب جانبًا آخر من الحقيقة، يتعلق بسلوك جزء من الساكنة نفسها. فالمفارقة الصارخة تكمن في أن بعض المواطنين، الذين يشتكون من غياب النظافة وسوء التدبير، يساهمون بشكل مباشر أو غير مباشر في تكريس هذا الواقع، من خلال ممارسات يومية سلبية، كتلويث الشواطئ، الاستغلال العشوائي للفضاءات، وعدم احترام قواعد السلامة أو التوجيهات التنظيمية.
إن الحديث عن تنمية حقيقية ومستدامة في بني شيكر، لا يمكن أن يُختزل في عقد الاجتماعات أو إصدار البلاغات، كما لا يمكن أن يتحقق في ظل عقلية استهلاكية لا ترى في الفضاء العام سوى مجال للاستغلال دون مسؤولية. فالتنمية، في جوهرها، هي تعاقد ضمني بين الدولة والمجتمع، قوامه الالتزام المتبادل, مؤسسات تؤدي واجبها في التأطير والتجهيز والمراقبة، ومواطنون يتحلون بالوعي المدني ويحترمون القواعد المؤطرة للعيش المشترك.
إن بني شيكر اليوم، وهي على أعتاب صيف جديد، ليست في حاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وقفة صريحة تُعيد ترتيب الأولويات، وتُخضع الجميع—منتخبين، سلطات، وساكنة—لمنطق المساءلة والمشاركة. وحدها هذه المقاربة كفيلة بأن تُنقذ ما يمكن إنقاذه، وتضع حدًا لدورة موسمية من الوعود التي تتبخر، والمآسي التي تتكرر.
.jpg)



