لفتيت يُشهر ورقة الحزم في وجه فوضى الدعم الجمعوي.. وزمن “السيبة” المالية يقترب من نهايته.

لفتيت يُشهر ورقة الحزم في وجه فوضى الدعم الجمعوي.. وزمن “السيبة” المالية يقترب من نهايته.

جريدة : ريف ميديا بريس 

في خطوة سياسية وإدارية تحمل أكثر من دلالة، رفض عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، التعديل الذي تقدم به فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، والمتعلق بالتنصيص على “الإشراف الكامل للجهات على شركات التنمية الجهوية”، وذلك خلال أشغال لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بالغرفة البرلمانية الأولى. موقف الوزير لم يكن مجرد اعتراض تقني على صياغة قانونية، بل عكس توجهاً واضحاً نحو إعادة ضبط منظومة الحكامة الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة، في مرحلة باتت فيها الدولة المغربية تتجه بشكل متسارع نحو القطع مع مظاهر التسيب وسوء التدبير التي ظلت تلاحق عدداً من الهيئات والجمعيات وشركات التنمية المحلية والجهوية.

وقد أفادت مصادر مطلعة أن النقاش الذي دار داخل اللجنة البرلمانية كشف عن وجود تخوفات حقيقية لدى بعض الأطراف من تشديد آليات المراقبة والتتبع المالي والإداري، خاصة في ظل التحولات الجديدة التي تعرفها منظومة التدبير الترابي بالمغرب. ووفق معطيات توصلت بها جريدة “ريف ميديا بريس”، فإن وزارة الداخلية تتجه خلال المرحلة المقبلة إلى فرض معايير أكثر صرامة في ما يتعلق بطرق صرف الدعم العمومي الموجه للجمعيات وشركات التنمية والهيئات المدنية، مع تعزيز آليات الافتحاص والمراقبة المالية، تفادياً لتحول المال العام إلى مجال للريع الانتخابي أو لتصفية الحسابات السياسية أو لخدمة المصالح الضيقة.

وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات وزير الداخلية واضحة وحاسمة حين تساءل بنبرة تحمل رسائل سياسية عميقة: “ماذا نعني بالإشراف الكامل؟ ما يْتدخلْ حدْ؟ وما يهضر معاكم حد؟”، في إشارة مباشرة إلى رفض أي محاولة لتحويل شركات التنمية الجهوية إلى فضاءات مغلقة خارج منطق الرقابة المؤسساتية والتوازن الإداري. كما شدد لفتيت على أن اختصاصات الجهات محفوظة بقوة القانون، وأن الدولة لا تنازعها في صلاحياتها، بل تسعى إلى بناء جهات قوية وقادرة على تنزيل مشاريعها التنموية بكفاءة وشفافية.

ويرى متتبعون للشأن العام أن المرحلة الحالية تشكل منعطفاً حقيقياً في تدبير المال العمومي، خصوصاً بعد سنوات طويلة عرفت اختلالات كبيرة في تدبير عدد من الجمعيات والهيئات المدنية التي كانت تستفيد من دعم مالي سخي دون نتائج ملموسة على أرض الواقع. كما أن عدداً من التقارير الرقابية كانت قد دقت ناقوس الخطر بشأن ضعف الحكامة وغياب الشفافية في صرف الاعتمادات المالية، فضلاً عن وجود جمعيات تحولت، بحسب توصيف فاعلين، إلى “دكاكين انتخابية” تستغل الدعم العمومي لتحقيق أهداف سياسية وشخصية بعيدة عن خدمة المواطن والتنمية المحلية.

وأكدت ذات المصادر أن الدولة تتجه اليوم نحو مرحلة جديدة عنوانها “ترشيد الدعم وربط التمويل بالنجاعة والنتائج”، وهو ما يعني أن زمن الحصول على التمويلات العمومية دون محاسبة أو تقييم قد بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة. كما أن السلطات العمومية أصبحت أكثر تشدداً في مراقبة طرق صرف الاعتمادات المالية الممنوحة للجمعيات، خاصة بعد تزايد الأصوات المطالبة بفتح ملفات الدعم العمومي وكشف الجهات المستفيدة ومدى احترامها لدفاتر التحملات والأهداف المسطرة.

وتأتي هذه التطورات في سياق وطني يتسم بتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، انسجاماً مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تخليق الحياة العامة ومحاربة كل أشكال الفساد الإداري والمالي. وهو ما يجعل من الإصلاحات المرتبطة بالتدبير الترابي والجمعوي جزءاً من ورش وطني كبير يروم إعادة الثقة في المؤسسات وضمان توجيه المال العام نحو مشاريع حقيقية ذات أثر تنموي واجتماعي ملموس.

ويرى مراقبون أن الرسالة التي بعث بها وزير الداخلية من داخل المؤسسة التشريعية تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد تعديل قانوني، إذ تعكس إرادة قوية للدولة في إنهاء حالة العشوائية التي ظلت تطبع تدبير عدد من الملفات المرتبطة بالدعم العمومي، ووضع حد لكل أشكال العبث التي أضرت بصورة العمل الجمعوي الجاد والمسؤول. فمرحلة “الامتيازات المفتوحة” و”الدعم غير المراقب” بدأت تتراجع تدريجياً أمام صعود خطاب جديد قائم على الشفافية، الكفاءة، وربط التمويل بالمردودية والالتزام الحقيقي بخدمة الصالح العام.

إرسال تعليق

شكرا على تعليقك

أحدث أقدم

نموذج الاتصال